الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
14
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا كما في سورة الأنعام [ 136 ] ، وعلى تلك الاعتبارات يجري التّقدير في قوله : أَوْلِياءَ أي لا تمتثلوا للأولياء أو أمرهم أو لدعاة الأولياء وسدنتهم . ويجوز أن يكون الاتّباع مستعارا للطّلب والاتّخاذ ، أي ولا تتّخذوا أولياء غيره نحو قولهم : هو يتّبع زلة فلان . وفي الحديث : « يتّبع بها شعف الجبال ومواقع القطر » أي يتطلبها . و ( من ) في قوله : مِنْ دُونِهِ ابتدائيّة ، و ( دون ) ظرف للمكان المجاوز المنفصل ، وقد جرّ بمن الجارة للظروف ، وهو استعارة للترك والإعراض . والمجرور في موضع الحال من فاعل تَتَّبِعُوا ، أي لا تتّبعوا أولياء متّخذينها دونه ، فإنّ المشركين وإن كانوا قد اعترفوا للّه بالإلهيّة واتبعوا أمره بزعمهم في كثير من أعمالهم : كالحج ومناسكه ، والحلف باسمه ، فهم أيضا اتّبعوا الأصنام بعبادتها أو نسبة الدّين إليها ، فكلّ عمل تقرّبوا به إلى الأصنام ، وكلّ عمل عملوه امتثالا لأمر ينسب إلى الأصنام ، فهم عند عمله يكونون متّبعين اتّباعا فيه اعراض عن اللّه وترك للتّقرب إليه ، فيكون اتّباعا من دون اللّه ، فيدخل في النّهي ، وبهذا النّهي قد سدت عليهم أبواب الشّرك وتأويلاته كقولهم : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] فقد جاء قوله : وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ في أعلى درجة من الإيجاز واستيعاب المقصود . وأفاد مجموع قوله : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مفاد صيغة قصر ، كأنّه قال : لا تتّبعوا إلّا ما أمر به ربّكم ، أي دون ما يأمركم به أولياؤكم ، فعدل عن طريق القصر لتكون جملة : وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مستقلّة صريحة الدّلالة اهتماما بمضمونها على نحو قول السّموأل أو الحارثي : تسيل على حد الظّبات نفوسنا * وليست على غير الظبات تسيل وجملة : قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ هي في موضع الحال من لا تَتَّبِعُوا ، وهي حال سببيّة وكاشفة لصاحبها ، وليست مقيّدة للنّهي : لظهور أنّ المتّبعين أولياء من دون اللّه ليسوا إلّا قليلي التذكر . ويجوز جعل الجملة اعتراضا تذييليا . ولفظ ( قليلا ) يجوز أن يحمل على حقيقته لأنّهم قد يتذكّرون ثمّ يعرضون عن التّذكّر في أكثر أحوالهم فهم في غفلة معرضون ، ويجوز أن يكون ( قليلا ) مستعارا لمعنى النّفي والعدم على وجه التّلميح كقوله تعالى : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 88 ] ( فإنّ الإيمان لا يوصف بالقلّة والكثرة ) .